ابن قيم الجوزية
419
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فما كان له منها فسوف يأتيه على ضعفه ، وما لم يكن له منها فلن يناله بقوته . والفرق بين قوله « مقاومة الأحكام » و « منازعة الأقسام » أن مقاومة الأحكام : أن تتعلق إرادته بعين ما في حكم اللّه وقضائه . فإذا تعلقت إرادته بذلك جاذب الخلق الأقسام . ونازعهم فيها . وقوله « يتخلص من قحة الإقدام » أي يتخلص بالثقة باللّه من هذه القحة والجرأة على إقدامه على ما لم يحكم له به ولا قسم له . واللّه سبحانه أعلم . قال « الدرجة الثانية : درجة الأمن . وهو أمن العبد من فوت المقدور . وانتقاض المسطور . فيظفر بروح الرضى ، وإلا فبعين اليقين . وإلا فبلطف الصبر » . يقول : من حصل له الإياس المذكور حصل له الأمن . وذلك : أن من تحقق بمعرفة اللّه ، وأن ما قضاه اللّه فلا مرد له البتة : أمن من فوت نصيبه الذي قسمه اللّه له . وأمن أيضا من نقصان ما كتبه اللّه له ، وسطّره في الكتاب المسطور . فيظفر بروح الرضى ، أي براحته ولذته ونعيمه . لأن صاحب الرضى في راحة ولذة وسرور . كما في حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « إن اللّه - بعدله وقسطه - جعل الرّوح والفرح في اليقين والرضى . وجعل الهم والحزن في الشك والسّخط » . فإن لم يقدر العبد على « روح الرضى » ظفر « بعين اليقين » وهو قوة الإيمان ، ومباشرته للقلب . بحيث لا يبقى بينه وبين العيان إلا كشف الحجاب المانع من مكافحة البصر . فإن لم يحصل له هذا المقام حصل على « لطف الصبر » وما فيه من حسن العاقبة . كما في الأثر المعروف : « إن استطعت أن تعمل للّه بالرضى مع اليقين فافعل . فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره النفس خيرا كثيرا » . قال « الدرجة الثالثة : معاينة أزلية الحق . ليتخلص من محن القصود . وتكاليف الحمايات . والتّعريج على مدارج الوسائل » . قوله « معاينة أزلية الحق » أي متى شهد قلبه تفرد الرب سبحانه وتعالى بالأزلية ، غاب بها عن الطلب . لتيقنه فراغ الرب تعالى من المقادير . وسبق الأزل بها . وثبوت حكمها هناك . فيتخلص من المحن التي تعرض له دون القصود . ويتخلص أيضا من تعريجه والتفاته ، وحبس مطيته على طرق الأسباب التي يتوسل بها إلى المطالب . وهذا ليس على إطلاقه . فإن مدارج الوسائل قسمان : وسائل موصلة إلى عين الرضى . فالتعريج على مدارجها - معرفة وعملا وحالا وإيثارا - هو محض العبودية . ولكن لا يجعل تعريجه كله على مدارجها . بحيث ينسى بها الغاية التي هي وسائل إليها . وأما « تخلصه من تكاليف الحمايات » فهو تخلصه من طلب ما حماه اللّه تعالى عنه قدرا . فلا يتكلف طلبه وقد حمي عنه . ووجه آخر : وهو أن يتخلص بمشاهدة سبق الأزلية من تكاليف احترازاته ، وشدة احتمائه من المكاره ، لعلمه بسبق الأزل بما كتب له منها . فلا فائدة في تكلف الاحتماء . نعم يحتمي مما نهي عنه ، وما لا ينفعه في طريقه . ولا يعينه على الوصول .